بعد أن قضيت أكثر من سنتين في جامعة النيل ، وبعد أن عشت أزمة الجامعة
بعد الثورة كاملة ، أردت أن أوضح في سطور الحكاية من البداية. ولقد وضعت
أساساً لسرد القصة يقتضى الأمانة والموضوعية، إضافة إلي عدم القدسية ، فكل
إنسان ، مهما علا شأنه ، يخطيء ويصيب ، وبالتالي عُرضة للنقد.
قبل الثورة:
بعد
حصوله علي جائزة نوبل ، أراد الدكتور زويل بناء جامعة علمية في مصر لدعم
البحث العلمي. ولكن نظرا للخلاف بينه وبين الحكومة السابقة ، وصعوبة مجاراة
الفكر العقيم لها الذي لم يكن يهدف إلا لدعمها وهدم أي أحد من الممكن أن
يخطف الأضواء منها ، ظل المشروع كلاما علي ورق رغم تخصيص قطعة أرض لزويل
لبناء الجامعة ، وكان ذلك في عام 2000.
بعد ثلاث سنوات ، وتحديداً في
عام 2003 ، وبعد أن أدرك الجميع استحالة حدوث توافق بين الدكتور زويل
والحكومة السابقة ، قرر الدكتور أحمد نظيف أخذ خطوات جادة لبناء الجامعة.
علي الرغم من ضعف إمكاناتته السياسية ، ويقيني التام أنه لم يكن كفءً لمنصب
رئيس الوزراء ، إلا أن الدكتور نظيف بفكره الأكاديمي كان يحلم بما حلم به
زويل ، وأراد بناء جامعة بحثية لخدمة مصر والنهوض بها علمياً ، وقد ساعده
علي هذا توافقه مع الحكومة السابقة ، ومجاراته لسياساتها ، فاستطاع أن يحول
المشروع من حلم إلى حقيقة ، علي عكس الدكتور زويل ، الذي لم تكن الحكومة
ترغب في تنفيذ مشروع قومي له خوفا من أن يسرق منها الأضواء ، ويكون له
مكانة سياسية علي حساب أشخاص بعينهم.
من عام 2003 حتى عام 2007 بُذل
أكثر من مجهود لبناء الجامعة وتحويل المشروع إلي حقيقة ، وهذا إن دل فهو
يدل علي صعوبة بناء مؤسسة من لا شيء. مؤسسة جامعية هدفها البحث العلمي في
المقام الأول ، مُدعمة من كبرى المؤسسات والشركات في مصر ، بالضبط علي نهج
المؤسسات البحثية العالمية. فَمَن في مصر ، من رجال أعمال ، يهتم بالبحث
العلمي ، ومن يريد دفع مليم واحد لخدمة البحث العلمي ، وأين هي العقلية
التي تستوعب هذا وتدعمه ، فالثقافة في مصر لم تكن تسمح بهذا الفكر الراقي ،
وكان يجب بناء ثقافة جديدة – ثقافة البحث العلمي - قبل بناء الجامعة. صدق
أو لا تصدق ، فهذا يُحسب للدكتور أحمد نظيف ، في ظل التدهور العلمي
والاقتصادي لمصر استطاع أحمد نظيف بناء جامعة النيل في عام 2007. استطاع
خلق مفهوم البحث العلمي والربط بينه وبين الصناعة في جامعة هي الأولى من
نوعها في مصر. استطاع أن يُنشيء قانون خاص بالجامعات الأهلية الغير هادفة
"تماماً" للربح. أدخل ثقافة عدم الربحية والعمل من أجل البحث العلمي فقط ..
من الآخر ، غير مفهوم الفكر العلمي في مصر. وكل هذا كان من الصعب جداً
طرحه في ظل الظروف وقتها .. في ظل فكر المناصب والفلوس والقوة والسلطة ، في
ظل فكر عقيم كانت تتسم به حكومة فشل معها أحمد زويل نفسه. لكن أحمد نظيف
نجح في هذا. نعم كلنا نختلف معه سياسياً ، ولكن العدل يقتضي أن نذكر
إنجازاته ، وجامعة النيل هي إنجاز الدكتور أحمد نظيف. ففي خلال ثلاث سنوات
فقط ، استطاعت الجامعة استقطاب أكبر الأساتذة والعلماء في مجالات مختلفة
مثل الاتصالات والإلكترونيات والبرمجة وإدارة الأعمال ، واستطاعت بناء
مراكز بحثية ونشر عدد كبير من الأبحاث ، بل وأصبحت المؤسسة البحثية الأولى
في مصر متفوقة علي أكبر وأعرق الجامعات في مصر. فكيف يتم إنكار كل هذا ،
وكيف يُهمل هذا المجهود في نشر ثقافة وفكر البحث العلمي وربطه بالشركات
المصرية والعالمية ؟ !!
ربما كانت هناك أخطاء ، فالكل بشر يخطيء
ويصيب ، ربما هناك انتقادات للجامعة ، ولكن .. لِمَ لَم يتم تصليح الأخطاء
من أجل تطوير الجامعة ، لِمَ لَم يُنظر للكوب المليان ، لم الهجوم الشرس
علي الجامعة التي لا تتخيل أنها تواجدت في ظل نظام مبارك الفاسد.
رأيي
الشخصي في قضية الهجوم علي جامعة النيل وعلي الدكتور نظيف ، أن معظم
الصحفيين والإعلاميين ، إن لم يكن كلهم ، لم يكلفوا نفسهم عناء متابعة
أهداف ونتائج الجامعة من أبحاث علمية ذات مستوي عالي ، بل ركزوا كل جهودهم
علي الهجوم علي شخص أحمد نظيف وكيف أنه أراد بناء الجامعة لنفسه. يُؤخذ
أيضا علي جامعة النيل أنها لم تُروج لنفسها بما فيه الكفاية لتعلن عن
نتائجها من أبحاث ومشاريع تضاهي الأبحاث العالمية ، بل بدأت في هذا متأخراً
جداً ، بعد الهنة بسنة. يؤخذ أيضا علي جامعة النيل طاعتها العمياء للدكتور
أحمد نظيف والدكتور طارق كامل ، وعدم استقلاليتها في اتخاذ القرارات ، وإن
كنت لا ألومها بدرجة كبيرة في هذه النقطة ، لأن البلد كانت ماشية كدة ،
لازم واسطة عشان المركب تمشي ، لازم أحمد نظيف وطارق كامل ، بصفتهما لا
بشخصهما ، هما اللي يمشوا الدنيا ، ماهي كانت بلد مناصب ، للأسف. وإن
وُضِعت في موقف كهذا ، فأمامك خياران لا ثالث لهما. إما أن تختلف مع هذا
الفكر ، فمش حتعمل حاجة (مثال زويل) ، أو أن تساير هذا الفكر عشان تعمل
حاجة (مثال نظيف). فنظيف ليس بالملاك البريء ، فهو له نفس فكر الحكومة
السابقة ، إلا أنه - متعرفش ليه - قرر استخدام هذا الفكر في عمل شيء مفيد ،
اسمه جامعة النيل.
المهم ، بُنيت الجامعة وأصبح لدى مصر جامعة بحثية
من الدرجة الأولى تعطي منح للطلبة للدراسة فيها لعمل أبحاث علمية لا تقل
في مستواها عن الأبحاث العالمية ، بل وقد أثار هذا غيرة الجامعات الأخرى
التي أرادت أن تحذو حذو جامعة النيل ، مما أدى إلي تغير الفكر .. إلي بناء
بيئة متكاملة من البحث العلمي تنتشر في كل جامعات مصر .. أدى إلي المنافسة
الشريفة بين الجامعات ، التي ستؤول نتائجها في النهاية لصالح مصر.
ظلت
جامعة النيل تعمل من خلال مقر في القرية الذكية من عام 2007 ، وفي أثناء
هذا كان يُبنَى المقر الأساسي لها (الحرم الجامعي) في الشيخ زايد علي أن
تنتقل له الجامعة في عام 2011 بعد أن يكون قد اكتمل جزء كبير منه ، وعلي أن
تصبح الجامعة "قانوناً" جامعة أهلية غير هادفة "تماماً" للربح ....... ثم
.... وقبل أن يتم هذا ..... حدثت الثورة.
بعد الثورة:
ظل
الخلاف حول جامعة النيل ، وظل الهجوم عليها من قِبَل الصحفيين والإعلاميين
، فما كان من أحمد شفيق إلا أنه سحب الأرض ، وما عليها من مباني ، وأعطاها
لصندوق تطوير التعليم. ثم انتقلت بعد ذلك - متفهمش إزاي - للدكتور زويل.
وبدأ
الدكتور زويل في جمع التبرعات لبناء مدينته العلمية علي أرض الشيخ زايد ،
وأصبح موقف جامعة النيل متأزماً جداً بعد سحب الأرض والمباني منها ، بل
وتوقف المستثمرون ورجال الأعمال من تدعيم الجامعة ، وأصبحت جامعة النيل في
موقف لا تُحسد عليه ، لا أرض ، ولا مباني ، ولا فلوس........ يا حلاوة.
بما
أن الهدف واحد ، ورؤية جامعة النيل مماثلة لرؤية مدينة زويل ، لم لا يتم
دمج المشروعين وعمل مشروع متكامل لنهضة البحث العلمي في مصر؟ كان هذا لسان
حال جميع الطلبة والأساتذة في جامعة النيل ، بل والمثقفين والمفكرين عموماً
في مصر. فالكل رأي أن الجامعة استطاعت أن تخلق بيئة بحثية قوية في مجالات
الاتصالات والإلكترونيات والبرمجة والنانو تيكنولوجي وإدارة الأعمال ، وكان
من المنطقي أن يؤخذ هذا كنواة لمشروع زويل العلمي ، ويتم إضافة المجالات
الأخرى الخاصة بدكتور زويل. يعني تفعيل القاعدة التي تقول ، ابدأ من حيث
انتهى الآخرون. ولكن ماذا حدث ؟!!!
زيارة الدكتور زويل الأولى لجامعة النيل:
ملخص
الزيارة ، أنه بعد الضغط الإعلامي الذي شنته جامعة النيل ، وبعد انتقاد كل
من أراد هدم الجامعة ، وانتقاد سحب الأرض والمباني منها لصالح الدكتور
زويل ، لم يكن أمام الدكتور زويل إلا أن يذهب لجامعة النيل للتحدث معها ،
والوصول إلي اتفاق يرضي جميع الأطراف. إلا أنه في الاجتماع قالها لهم صراحة
" لن تأخذوا الأرض والمباني" ، بل قال للطلبة " الإعلام مش حينفعكوا" .
فكما تبين ، الزيارة لم يكن الغرض منها أي شيء سوى تهدئة الرأي العام ،
ولكن علي عكس هذا ، هاجت جامعة النيل ونشروا كل هذا في الإعلام وزاد
الانتقاد هذه المرة بحدة علي الدكتور زويل.
أيقنت جامعة النيل في هذا
الوقت أنها بمفردها ، فالكل أعطاها ظهره ورفض مساعدتها ، وكان عليها البحث
عن بدائل للنجاة. ولك أن تتخيل كم العناء .. مباحثات مع الحكومة (اللي
طبعاً مفيش فايدة منها) ، والبحث عن مستثمرين ومدعمين للجامعة حتى تتمكن من
بناء مقر آخر لها وتستمر في تقديم منح لطلاب البحث العلمي. جاءتها عروض من
قِبَل مستثمرين ، ولكن علي شرط أن تتحول لجامعة ربحية ، فرفضت الجامعة ذلك
(في عز الأزمة) ، فكانت الجامعة ثابتة علي رؤيتها الأصلية وهي الاستمرار
كجامعة أهلية غير هادفة "تماماً" للربح وتهتم في المقام الأول بالبحث
العلمي. ظلت علي ذلك شهور عديدة (بدون مقر ولا تمويل) ، مرتبات الأساتذة
والموظفين في تهديد ، منح الطلبة أيضاً في تهديد ، أساتذة قرروا ترك جامعة
النيل وقبول عروض من الجامعة الأمريكية ، وأخص بالذكر هنا الدكتور يحيى
إسماعيل الذي ذهب للجامعة الأمريكية ، وأخذ معه جميع أساتذة قسم
الإلكترونيات ، ونصف الطلبة (الذين وافقوا علي ترك جامعة النيل والذهاب
معه) ... وبدأ القسم في الانهيار ، وأوشكت الجامعة علي السقوط ... أخيراً ،
والحمد لله ، تبرع المهندس نجيب ساويرس للجامعة ، وتم عقد اتفاق بين جامعة
النيل والقرية الذكية علي الاستمرار في مبنى مؤقت حتى تُحلً الأزمة.
في
أثناء ذلك والدكتور زويل يجمع التبرعات لمشروعه العلمي ، ويصرح للإعلام
بأنه سيتم البدء بالدراسة في مدينة زويل في نهاية عام 2012 ، ولكن كيف هذا؟
فالوقت ضيق .. كيف سيتم بناء المراكز البحثية ، واستقطاب علماء وأساتذة
للجامعة ، ووضع مناهج دراسية وعلمية ، كل هذا في شهور قليلة ليبدأ بعدها
الدراسة في نهاية عام 2012. يبدو صعباً ، فالبناء يحتاج لوقت ومجهود ،
واندماج جامعة النيل معه بمراكزها البحثية وأساتذتها وطلابها كان سيحقق له
البداية السريعة والنواة الجادة لتحقيق المشروع ، ويبدو أن الدكتور زويل
أدرك هذا جيداً ... فتجددت المقابلات مع جامعة النيل.
المقابلة الثانية لدكتور زويل وجامعة النيل:
في
هذه المقابلة تراجع الدكتور زويل عن موقفه تجاه جامعة النيل ، وأراد ضمها
لمدينته علي خلاف زيارته الأولى. فبدأت تلوح إشارات الاتفاق بين الطرفين.
إلا أنه بعد مناقشات ومقابلات عديدة ، كان رأي الدكتور زويل أن يضم طلاب
البحث العلمي فقط ، علي أن يترك الطلاب الذين يدرسون في مرحلة البكالوريوس ،
وكان رأي جامعة النيل أن يتم التكامل بشكل كامل ، فلا يجوز أن تُقسم
الجامعة ، جزء مع زويل (وهو الجزء المهم ونقطة قوة جامعة النيل) وجزء يُترك
(لا أدري ما مصيره) ... وتجمدت المفاوضات عند هذه النقطة. وظل الوضع إلي
الآن كما هو عليه. جامعة النيل تعاني ، وزويل يجمع التبرعات ويبني علي
حسابها .. ولا جديد حتى الآن.
حركات تِشلً بقى:
- في أول مؤتمر صحفي للدكتور زويل ومتحدثا عن مدينته العلمية ، قال " دي
حتبقى أول جامعة أهلية غير هادفة للربح وحيكون في أول مجلس أمناء" ....
وجامعة النيل بقى دي كانت إيه .. أديداس ؟!!
- الإعلامية مني
الشاذلي تقول للدكتور زويل في دهشة وإعجاب " كيف فعلت كل هذا في وقت قصير ،
الأرض والمباني ، والماكيت الذي يصور الجامعة بمبانيها العملاقة الرائعة "
متناسية أن هذا كله هو مجهود جامعة النيل ، والدكتور زويل أخذه علي الجاهز
، أين ذكائك يا أستاذة مني ؟ .... واللي يغيظك بقى ... إن الدكتور زويل
عندما يسمع هذه العبارات يضحك ولا يعلق ... ما علينا.
- الدكتور يحيى إسماعيل يقول أنه تحدث مع الدكتور زويل في أمريكا ، وقرر أن
يضحى ويعود من أجل مشروع زويل القومي... يا سلام !! ... هوة مش رجع من
أمريكا من فترة وقضى ثلاث سنوات في جامعة النيل ، وكمان ليه فيديو وهو
يتحدث عن حال جامعة النيل وما ألَمً بها من أحداث بعد الثورة كادت أن تعصف
بها...... ما علينا.
- بعد أزمة جامعة النيل الطاحنة ، بدأت
الجامعة الأمريكية في استقطاب الأساتذة منها ، وبالفعل انهى حوالي 6 أساتذة
جامعيين عملهم بجامعة النيل بعد تلقيهم عروض مغرية من الجامعة الأمريكية –
ده إيه الحنية دي – لأ مش كدة وبس ، فقد تم تمديد فترة قبول الطلاب
بالجامعة الأمركية كحالة استثنائية فقط لطلاب جامعة النيل حتى يتم تحويل
الطلبة من جامعة النيل للجامعة الأمريكية – قلب الأم بقى - وبذلك بدأ
انهيار جامعة النيل يزداد أكثر فأكثر. وما تم بناؤه خلال أربع سنوات من
جامعة مصرية ، يذهب علي الجاهز للجامعة الأمريكية !!
وخد عندك بقى حركات من دي كتير ... فالموضوع لم يعد يرقى لمستوي النيل .... أو زويل ... أو حتى بابا نويل.
خاتمة:
لا أحد – مهما علت مكانته العلمية أو السياسية – فوق مستوي النقد ،
فالمكانة العالية موضع مسؤولية وليست موضع رفاهية .... واحذروا من خلق
فرعون جديد.
بقلم/ عمرو لطفي
خريج ماجستير من جامعة النيل
باحث في مجال الإليكترونيات
مصدر المقالة الأصلية